الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
209
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إشكال وأما أن تعلق التكليف بها حينئذ وحدها من غير أن يتعلق التكليف بأسبابها أصلا ولو من جهة إيصالها إليها فلا مانع عنه أيضا من تلك الجهة لحصول القدرة عليها حينئذ من جهة الاقتدار على أسبابها إلا أنه يلزم سقوطها عن المكلف من دون عصيان إذا ترك الأسباب المولدة لها مع ارتفاع القدرة على تلك الأسباب بعد تركها إذ المفروض أنه لا مانع عند الأمر من الترك المفروض ولو من جهة إيصاله إلى ترك المأمور به فلا عصيان حينئذ بترك تلك الأسباب لا بملاحظة ذاتها ولا من جهة أدائها إلى ترك مسبباتها وتحقق العصيان حينئذ عند انتفاء المسببات بعد ذلك مما لا وجه له لما عرفت من ارتفاع التكليف بها بعد ارتفاع القدرة عليها ونحوه الكلام بالنسبة إلى ترك الشروط ونحوها والحاصل أن حصول القدرة على الفعل بعد زمان الأمر في الجملة كاف في حصول التكليف وصحة العقوبة إذا تحقق ترك الواجب بتعمد المكلف ولو بترك بعض مقدماته لكن لا يكون ذلك إلا مع وجوب المقدمة والمنع من تركها من جهة الإيصال إلى الواجب والأداء إلى تركه ولذا لو صرح الأمر بعدم وجوب شيء من مقدماتها أصلا وتساوي جهتي فعلها وتركها في نظره مطلقا ولو بملاحظة إيصالها إلى الواجب وأداء تركها إلى تركه لكان مناقضا وأدى ذلك إلى عدم استحقاق العقوبة على ترك ذلك الواجب أصلا وهو مفاد خروجه عن كونه واجبا ومجرد كون الترك المذكور بعد حصول القدرة عليه في الجملة غير كاف في تصحيح استحقاق العقوبة على الفرض المذكور كما لا يخفى على المتأمل وما يقال من أن العرف والعادة شاهدان على صحة الذم حينئذ ألا ترى أن كافة ذوي العقول يذمون يوم النحر الجالس في بلدة البعيدة مع استطاعته للحج ويقولون له لم اخترت الجلوس في بلدتك في هذا الحال على طواف بيت الله تعالى وأداء المناسك المقربة إلى الله الباعثة على نجاتك من عذاب اللّه ولا يقبلون اعتذاره بعدم تمكنه من ذلك حينئذ لبعد المسافة وعدم قطعه الطريق بعد تمكنه منه في وقته بل يقولون له أن ذلك كان أمرا ضروريا لأداء المناسك وقد كنت متمكنا من ذلك وإرجاع هذا الذم إلى الذم على ترك قطع الطريق خلاف مقتضى اللفظ بل الوجدان يحكم بأنه لا يخطر ذلك بالبال بين الاندفاع للفرق البين بين ذمه على عدم إتيانه في ذلك الزمان بتلك الأفعال وإقدامه على القبيح في تلك الحال وذمه على أنه لم يكن في جملة المتلبسين بتلك الأفعال الآتين بها في تلك الحال فإن هذا الذم وارد عليه من جهة تركه الذهاب مع الرفقة الأخيرة فإنه لما كان الواجب في ذمته هو أداء المناسك كان الذم متوجها إليه من جهة ترك ذلك وإن كان قبل وقت أدائها بعد تركه المقدمة الموصلة إليها إذ الذم الوارد على ترك المقدمة إنما هو من جهة أدائه إلى ذلك فالذم المذكور إنما يراد بالأصالة على ترك ذي المقدمة وبالتبع على ترك المقدمة ولذا يرد الذم عليه مع قطع النظر عن ملاحظة تركه قطع الطريق حسبما ذكر لكن لا دلالة فيه على ما هو بصدده [ تقرير آخر للدليل المذكور . ] ثم إنه يظهر من ملاحظة ما ذكرنا تقرير آخر للدليل المذكور وقد أشار إليه بعض المتأخرين وذلك بأن يقال أنه لو لم تكن المقدمة واجبة لزم عدم تحقق المعصية واستحقاق العقوبة بترك الواجب والتالي واضح الفساد لخروج الواجب بذلك عن كونه واجبا أما الملازمة فلأنه إذا كان المقدمة بحيث لو تركها المكلف لم يتمكن من الإتيان بها بعد ذلك كقطع المسافة بالنسبة إلى أداء الحج فتركها المكلف فإما أن يكون عاصيا عند ترك قطع المسافة أو عند ترك الحج في موسمه المعين لا سبيل إلى الأول إذ المفروض عدم وجوب ذلك عليه بوجه من الوجوه فلم يصدر عنه حينئذ فعل حرام ولا ترك واجب أصلا ومع ذلك لا يعقل صدور العصيان منه بوجه من الوجوه ولا إلى الثاني لامتناع الإتيان به في وقته بالنسبة إليه ومعه لا يمكن حصول العصيان ولا استحقاق العقوبة بتركه إذ لا يتّصف بالحسن والقبح إلا الفعل المقدور وملاحظة العرف أقوى شاهد على ذلك ألا ترى أنه لو أمر السيد عبده بفعل معين في زمان معين في بعض البلاد النائية والعبد ترك المسير إليه عمدا إلى حضور ذلك الزمان فعاقبه المولى بعد حضور الزمان المعين على ترك الفعل فيه وإخلائه عن ذلك العمل معترفا بعدم صدور قبيح من العبد يستحق به العقوبة إلى ذلك الزمان أصلا وإنما تجدد منه صدور القبح حين تعمده ترك الفعل في الزمان الحاضر لسفهه العقلاء وحكموا بضعف عقله وفساد رأيه كيف ولو فرض أن العبد كان نائما في الزمان الحاضر وحبسه جائر بحيث لم يقدر على الخلاص لم يعقل استحقاقه للعقوبة بترك الفعل في ذلك الزمان أيضا لقبح تكليف النائم والمحجور عليه مع أن من الواضح عدم تفاوت الحال في استحقاق العقوبة بين كونه نائما أو ممنوعا من الفعل أو غيره فليس استحقاقه للعقوبة إلا من جهة ترك المقدمة من حيث أدائه إلى ترك ذي المقدمة وهو مفاد الوجوب الغيري وأنت بعد التأمل فيما مر تعرف ما يمكن إيراده على التقرير المذكور وما يدفع به عنه قوله والحكم بجواز الترك إلى آخره ليس ذلك من تتمة الجواب وإنما هو دفع دخل يورد في المقام وقد عزي إلى أبي الحسين البصري حيث زعم أنه بناء على عدم وجوب المقدمة شرعا يكون تركه جائزا مع أن خطاب الشرع بجواز تركها بعد أمره بذي المقدمة قبيح ركيك وقد أجاب عنه المصنف بأن الحكم بجواز الترك هنا عقلي لا شرعي يعني أن العقل يدرك جواز ترك المقدمة من غير أن يصرح الشارع بذلك فإنه لما كان لم يكن الأمر بذي المقدمة مستلزما للأمر بمقدمته ولم يكن هناك دليل آخر على وجوبها جاز عند العقل ترك المقدمة إذ هو اللازم بعد نفي الوجوب من جهة انتفاء الدليل عليه فإذا ثبت عدم حكم الشارع بوجوب المقدمة لزمه الحكم بجواز تركه فحكم العقل بالجواز مستفاد من عدم حكم الشارع بالوجوب من غير أن يصرح بالجواز وإنما لم يجز حكم الشارع بالجواز مع أنه لازم لعدم حكمه بالوجوب لأنه لما كان الإتيان بذي المقدمة مطلوبا للشارع على جهة الإلزام وكان الإتيان به لا ينفك عن الإتيان بمقدمته كان الحكم بجواز تركه عبثا بل منافيا لفرضه إذ فائدة الحكم به هو إقدام المكلف على الترك إذا شاء وهو غير ممكن في المقام إذ لا يجامع ذلك الإتيان بذي المقدمة الواجب في الشريعة فيشبه الحكم به الحكم بجواز الإتيان بالممتنعات كالطيران في السماء والمشي على الماء فليس عدم جواز حكم الشارع بالجواز في المقام من جهة انتفاء الجواز حتى يتوهم بسببه وجوب المقدمة بل من جهة كونه لغوا لا ينبغي صدوره عن الحكيم فحاصل الجواب أن جواز حكم الشرع جواز الترك إنما يتم إذا تفرع فائدة على حكمه وأما إذا خلا عنها فلا بخلاف حكم العقل به فإن من شأنه إدراك الواقع وإن خلا ذلك عن ثمرة تترتب عليه في الأعمال